محمد طاهر الكردي

434

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

لقوله صلى اللّه عليه وسلم للأعرابي الذي سأله عنها : ويحك إن شأن الهجرة شديد ، الخ . أي فلا تجب عليك ما دمت غير جار عليك حكم أهل الكفر ، ومن ذلك المعنى أيضا عدم أمره صلى اللّه عليه وسلم الوفود عليه قبل الفتح بأن يهاجروا ، فقد تبين بما قررناه معنى حديث : لا هجرة بعد الفتح ، وموضوع حديث : ويحك إن شأن الهجرة شديد . قال الإمام النووي : وأما الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ، فقال العلماء إنها واجبة إلى قيام الساعة ، وتأولوا هذا الحديث بأن الهجرة المهمة المطلوبة التي يمتاز بها أهلها امتيازا ظاهرا انقطعت بفتح مكة ومضت لأهلها ، أو أن معنى : لا هجرة ، لا هجرة من مكة لأنها صارت دار إسلام . انتهى كلامه ، وهو موافق لما ذكرناه لك آنفا . قال القرطبي : وعلى هذا فلا يجوز لمسلم دخول بلد الكفر لتجر أو غيره ، إلا لضرورة في الدين كالداخل لفداء مسلم : وقد أبطل مالك شهادة من دخل دار الحرب للتجارة . ا ه . ومما يوضح لك أن محل حديث : لا هجرة بعد الفتح ، وحديث : ويحك إن شأن الهجرة شديد ، حيث لم يكن المسلم تحت حكم الكفر ، وأما إن كان تحته ، وخاف على دينه وأهله وماله ، فلا يزال وجوب الهجرة باقيا عليه : ما رواه البخاري : أن عبيد بن عمرو سأل عائشة ، رضي اللّه عنها ، عن الهجرة ، فقالت : لا هجرة اليوم ، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى اللّه وإلى رسوله مخافة أن يفتن عليه ، فأما اليوم فقد أظهر اللّه الإسلام ، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء ولكن جهاد ونية ، ا ه . فقولها : فأما اليوم فقد أظهر اللّه الإسلام الخ ، دال على أن موضوع الحديثين المذكورين حيث كان المسلم مقيما تحت حكم الإسلام ، ومما هو بمعنى الحديثين المذكورين في أن المسلم ما دام متمكنا من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وغير ذلك من أمور دينه ، مما لا يتأتى غالبا لمن كان تحت حكم الكفر . ما رواه الإمام أحمد من حديث عبد اللّه بن عمرو ابن العاص ، قال : جاء أعرابي فقال : يا رسول اللّه أين الهجرة إليك حيث كنت ، أم إلى أرض معلومة ، أم لقوم خاصة ، أم إذا مت انقطعت ؟ قال : فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ساعة ، ثم قال : أين السائل عن الهجرة ؟ قال : ها أنا ذا يا رسول اللّه . قال : إذا أقمت الصلاة وآتيت الزكاة فأنت مهاجر وإن مت بالحضرمة . قال : يعني أرضا باليمامة . وفي رواية له : الهجرة ، أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، ثم أنت مهاجر وإن مت بالحضرمة ، ا ه . وفيه دليل على أن بلاد